ابن عجيبة
286
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال ابن جزي : قيل : معنى ( ذروا ) : اتركوهم فلا تجادلوهم ولا تتعرضوا لهم ، فالآية ، على هذا ، منسوخة بالقتال ، وقيل : معنى ( ذروا ) للوعيد والتهديد ، كقوله : ذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ « 1 » ، وهو الأظهر . ه . قلت : وهو أليق بقوله بعده : سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الإلحاد وغيره . الإشارة : قال القشيري بعد كلام : ويقال إن اللّه سبحانه وقف الخلق بأسمائه ، فهم يذكرونها قالة ، وتعزّز بذاته ، والعقول - وإن صفت - لا تهجم على حقائق الإشراف ؛ إذ الإدراك لا يجوز على الحق ، فالعقول عند بواده الحقائق متقنعة بنقاب الحيرة عن التعرض للإدراك ، وطلبه في أحوال الرؤية . والحق سبحانه عزيز باستحقاق نعوت التعالي متفرّد . ه . قلت : وأسماء اللّه الحسنى كلها تتجلى في مظاهر الإنسان ، وتتوارد عليه انفرادا واجتماعا ، وقد تجتمع في واحد ، إذا كان عارفا ، كلها ، بحيث يتخلق بها ، غير أن تجلياتها تختلف عليه ، تارة ملكا قدوسا ، وتارة رحمانيا رحيما ، وهكذا . وقد تقدم بيان كيفية التعلق والتخلق والتحقق بها ، في شرحنا : الفاتحة الكبير ، واللّه تعالى أعلم . ولمّا ذكر فيما تقدم خواص قوم سيدنا موسى ، ذكر هنا خواص هذه الأمة المحمدية ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 181 ] وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 181 ) يقول الحق جل جلاله : وَمِمَّنْ خَلَقْنا أي : ومن جملة ما خلقنا : أُمَّةٌ : طائفة يَهْدُونَ الناس بِالْحَقِّ ويحملونهم عليه ، وَبِهِ يَعْدِلُونَ في حكوماتهم وقضاياهم . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « هذه الآية لكم ، وقد تقدم مثلها لقوم موسى » « 2 » . قال البيضاوي : ذكر ذلك بعد ما بيّن أنه خلق للنار طائفة ضالين ، ملحدين عن الحق ، للدلالة على أنه خلق أيضا للجنة أمة هادين بالحق ، عادلين في الأمر ، واستدل به على صحة الإجماع ، لأن المراد منه أن في كل قرن طائفة بهذه الصفة ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تزال من أمّتى طائفة على الحقّ ، إلى أن يأتي أمر اللّه » « 3 » إذ لو اختص بعهد الرسول أو غيره لم يكن لذكره فائدة ، فإنه معلوم . ه . الإشارة : هذه الأمة التي خلقها اللّه لهداية خلقه ، وهي الطائفة التي لا تزال على الحق ، وهي مؤلفة من العلماء الأنقياء على اختلاف أصنافهم وعلومهم ، ومن الأولياء العارفين ، فالعلماء يهدون إلى التمسك بالشرائع وإتقانها ، والأولياء العارفون يهدون إلى التحقق بالحقائق وأذواقها ، فالعلماء داعون إلى أحكام اللّه ، والعارفون داعون إلى
--> ( 1 ) الآية 11 من سورة المزمل . ( 2 ) أخرجه بنحوه الطبري في التفسير ( 9 / 135 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري في ( الاعتصام - باب قول النبي : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ) ومسلم في ( الإمارة - باب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ) من حديث المغيرة .